جلال الدين السيوطي
576
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
جعفر بن جرير من الفضل والعلم والذكاء والحفظ على ما لا يجهله أحد عرفه ؛ لجمعه من علوم الإسلام ما لم نعلمه اجتمع لأحد من هذه الأمّة ، ولا ظهر في كتب المصنّفين ، ولا انتشر من كتب المؤلفين ما انتشر له ، وكان راجحا في علوم القرآن والقراءات والحديث واختلاف الفقهاء واللغة والنحو ، وكان له قدم في علم الجدل ، وكان فيه من الزهد والورع والخشوع والأمانة وتصفية الأعمال وصدق النية وحقائق الأفعال ما دلّ عليه كتابه في « آداب النفوس » ، وكان يحفظ من الشعر للجاهلية والإسلام ما لا يجهله إلا جاهل به . وقال أبو بكر بن مجاهد : قال أبو العباس : قلت يوما : من بقي عندكم في الجانب الشرقيّ ببغداد من النحويين ؟ فقلت : ما بقي أحد ، مات الشيوخ إلا أن يكون الطبريّ الفقيه . فقال لي : ابن جرير ؟ قلت : نعم . قال : ذاك من حذّاق الكوفيين . قال ابن مجاهد : وهذا من أبي العباس كبير لأنّه كان شديد النفس شرس الأخلاق ، وكان قليل الشهادة لأحد بالحذق في علمه . وقال عبد العزيز بن محمد : كان ابن جرير قد نظر في المنطق والحساب والجبر والمقابلة وكثير من فنون أبواب الحساب ، وفي الطبّ وأخذ منه قسطا وافرا ، وكان متنزها عن الدنيا تاركا لها ولأهلها ، يرفع نفسه عن التماسها ، وكان كالقارئ الذي لا يعرف إلا القرآن ، وكالمحدّث الذي لا يعرف إلا الحديث ، وكالفقيه الذي لا يعرف إلا الفقه ، وكالنحويّ الذي لا يعرف إلا النحو ، وكالحاسب الذي لا يعرف إلا الحساب ، وكان عاملا للعبادات جامعا للعلوم ، وإذا جمعت بين كتبه وكتب غيره وجدت لكتبه فضلا على غيرها . وقال أبو بكر بن كامل : قد اشتهر تفسيره وارتفع ذكره ، وفي الوقت المبرّد ، وثعلب وأبو جعفر الرّستميّ ، وأبو الحسن بن كيسان ، والمفضّل بن سلمة ، والزّجّاج ، وغيرهم من الفرسان ، وحمل هذا الكتاب مشرقا ومغربا ، وقرأه كلّ من كان في وقته من العلماء ، وكلّ فضّله وقدّمه .